الخميس، 15 أكتوبر 2026

من أزمة المعرفة إلى صناعة الإنسان المنفعل — قراءة في كتاب «ظل الغد»

    من أزمة المعرفة إلى صناعة الإنسان المنفعل — قراءة في كتاب «ظل الغد» 


   هناك مفكرون يقرؤون التاريخ لكي يعرفوا كيف عاش الإنسان في الماضي، وهناك مفكرون يقرؤون الماضي لكي يفهموا ما يحدث للإنسان في الحاضر. أما يوهان هويزنخا (1872–1945)، المؤرخ الهولندي وأحد أبرز مؤسسي التاريخ الثقافي الحديث، فقد جمع بين المهمتين؛ إذ لم يكن الماضي عنده مستودعًا للوقائع، بل مرآة تكشف أشكال الحياة الإنسانية، وطرائق تشكل الوجدان، والعلاقة بين الثقافة والحضارة. 
  

في كتابه في ظل الغد (In the Shadow of Tomorrow)، الصادر سنة 1935، يتخذ هذا الاهتمام منعطفًا نقديًا. لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية تشكل الحضارات وازدهارها، بل أصبح متعلقًا بما إذا كانت الحضارة الحديثة، وهي توسع قدرتها على الإنتاج والاتصال والتأثير، تحافظ بالقدر نفسه على الشروط الروحية والفكرية التي تجعل الإنسان قادرًا على الحكم والفهم والتكوين. 
   نحن هنا أمام مفارقة لا تزال تستحق التفكير: قد يمتلك الإنسان وسائل أكثر للوصول إلى العالم، من دون أن يصبح بالضرورة أكثر قدرة على فهمه؛ وقد تتضاعف وسائل الترفيه، بينما تتقلص مساحة الصمت والتركيز؛ وقد تصبح الصورة أشد حضورًا، فيما يتراجع استعداد المتلقي لبذل الجهد الذي يتطلبه المعنى.
ولعل أكثر ما يجعل هويزنخا جديرًا بالقراءة اليوم أنه لا يكتفي بانتقاد الأفكار السياسية أو المؤسسات الاجتماعية، بل يقترب من منطقة أكثر حميمية: كيف تصنع الحضارة الحديثة الإنسان الذي يعيش داخلها؟ كيف تغير طريقة معرفته، وما يلفت انتباهه، وما يثير مشاعره، وما يعتبره ممتعًا، وكيف يصدر أحكامه على الأشياء؟
   يقدم إذن المؤرخ  والمفكر الهولندي يوهان هويزنخا (Johan Huizinga) في كتابه في ظل الغد (In the Shadow of Tomorrow) تحليلاً نقدياً عميقاً للتحولات الثقافية والمعرفية التي طرأت على الإنسان المعاصر مع صعود وسائل الإعلام والترفيه الجماهيري. و نقتبس له :
   " تتطلب الثقافة في المقام الأول توازناً معيناً بين القيم المادية والروحية. وهذا يسمح بظهور حالة اجتماعية يُقدرها أولئك الذين يعيشون فيها باعتبارها توفر قيماً أكثر وأسمى من مجرد إشباع الحاجات والرغبة في السلطة. تكمن هذه القيم في مجال الروح، والفكر، والأخلاق، والجمال. يجب بدورها أن تكون هذه المجالات المتعددة في حالة توازن وانسجام لكي يكون مفهوم الثقافة قابلاً للتطبيق. ومن خلال التركيز على التوازن وليس على المستوى المطلق، يصبح المرء قادراً على تضمين الأشكال الاجتماعية المبكرة، أو المنخفضة، أو البدائية في التقييم الثقافي، وتجنب خطر المبالغة في تقدير الحضارات شديدة التطور، أو التقدير أحادي الجانب لأحد عوامل الثقافة، سواء كان الفن، أو القانون، أو التنظيم السياسي، أو أي عامل آخر.  
   يمكن النظر إلى هذا التوازن باعتباره أداءً متناغماً وحيوياً لمختلف الأنشطة الثقافية داخل الكل. ونتيجة لمثل هذا التنسيق للأنشطة الثقافية تتجلى في النظام، والقوة الهيكلية، وإيقاع المجتمع المعين. و من الواضح أن التقييم التاريخي لمختلف الثقافات، لا سيما تقدير البيئة الحالية، لا يمكن أن يتحرر من المعايير المُسْبقة للذات المُقيّمة. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الوصف العام للثقافة بأنها ثقافه "عالية" أو "منخفضة" يتحدد في النهاية بمحتواها من القيم الروحية والأخلاقية أكثر من محتواها من القيم الفكرية والجمالية. "