الأربعاء، 15 يوليو 2026

اللاعبون يفهمون التحديات أفضل من المدرب

   اللاعبون يفهمون التحديات أفضل من المدرب 


  على أرض الملعب، إما أن تحمي الكرة، أو تطلبها، أو تخلق مساحة. لا يوجد شيء آخر. التكتيك هو الحل المشترك للموقف من خلال هذه الإجراءات عبر فلسفات لعب محددة مسبقًا، تتناسب مع قدرات اللاعبين وفهمهم للعبة.
-رينيه مارش.

لا شكّ أن ريبة كل إنسان تتجلى فيما لا يفهمه، ويعجز عن حقائقه، غدا البشر بعقولهم وتجاربهم وذواتهم حقائق مصغرة، وسعى كل منهم على حدة لفهم العالم، إما عبر التساؤلات.. وذاك العالم المثقف، أو عبر رؤى ضيقة، و ذاك من صاغ دهشة الكون إلى ابتذال، و بدل هذه التركيبات المذهلة، إلى نسخ غير مفهومة، اعتباطية، أضرت بالانسان و سره وتجليه على سائر المخلوقات بالتفكير والانجاز والقدرة على الابداع . ما كرة القدم سوى مجاز عن الاصرار على التقليل من إبداع الفرد والجماعة بآن.
     السعي الحثيث للمدربين من الخارج لمنح التعليمات، يصرخ فلان: يمين. وآخر: يسار. نحن بذاك نقتل تجربة اللعب، لا يرى اللاعب سوى ما رأى الآن، وبتلك اللحظة ذاك التفاعل هو الصحيح، هو الادراك الكامل منه، هو قدرته واستكشافه الكامل. ما الذي يمنحنا صلاحية القول: ذاك الفرد لم يستدر للمساحة، أو لم يرى زميله بمنطقة أخرى؟ إنها رؤيتنا الغير المضطلعة في اللعب من الداخل، الخارجية كما أسميها. أما اللاعب فقد رأى إمكاناته، ما يتيحه اللعب. والمدرب الذي لا يفهم قدرات لاعبيه، يخفق في استغلال خصائصهم، بل ويفشل في تحسين نواقصهم.
ما نرصده ليس الطبيعة ذاتها، بل الطبيعة كما تظهر وفق طريقة تساؤلنا.

فيرنر هايزنبرغ.

غير علم الايكولوجيا، أو البيئة، تفكيرنا، وانغمسنا بعالم الانسان، التأثير المتبادل، الذي تحدثه الطبيعة بنا، ونحن بها. لا يكتفي البشر بايجاد الاشياء، إنما تحسينها وتغييرها، لتتناسب، وتخدم أفكارنا. يختلف الفتى الذي عاش برحى الجبال، عضليا، عن آخر نشأ بالغابة، تتفارق الامكانات الحركية، وترتقي بكل على حدة. رأى فيتور فرادّ تميز بعض الهواة الذين يمارسون سباقات سرعة بعضلات سفلية سميكة، من خلال تكرار مسافات صغيرة دون الحاجة للذهاب لصالات التقوية.
وهنا تلعب البيئة وتحفيز عضلات معينة عن أخرى كما يتميز التحمل بأمد طويل، تلعب دورًا بتكوين الانسان فيزيولوجيًا، بينما اللعب بكرة القدم يستخدم الادراك والخداع والتفاعل مع الزملاء والمنافسين يحفز مهارات ذات خصوصية، لا تظهر سوى أثناء الممارسة واللعب.
إنها تجربتي أنا، كما يقول اللاعب.. أنا كظهير سأراقب الجناح، وسأعترض الكرة عندما تتاح الفرصة، وسأتلامس مع المنافس لتقليل سرعته، سأغطي أولا في وضعية 2ضد1 وسأواجه أو أؤخر في 1ضد1 حسب السياق والخصم. إذن كيف لنا أن نعلم اللاعب كل شيء، أو كيف ننتظر تعليمه دون أن نضعه ببيئة اللعب حسب السياق، ودون تجربة الخطأ والممارسة؟
ما الخطأ سوى ابن العلم والمعرفة، وحتى بوعينا، بالخطأ، كم يؤكد على الاعصاب، سنفشل باللحظة ذاتها بتصحيح الخطأ، لأن أدمغتنا تصلح تصوراتها، بعد الراحة والاسترجاع والانغماس اللاجسدي في كرة القدم، من خلال التخيل، بما يسمى فيما بعد التغذية الراجعة. أنا أقول.. وأنت تسمع وتتصور وتتخيل، عملية التعلم بمستوياتها هذه تجعلنا ندرك أخطاءنا وخصائصنا وقدراتنا لا شك. ومن ثمة تلعب الذاكرة الطويلة المدى دورًا، باستهلاك الطاقة من ناحية فيزيولوجية، ومن وجهة نظر الدماغ بتثبيت تفاعلاتنا المناسبة مستقبلاً لمواقف التعلم السابقة، إذا نحن أمام دورة سليمة لا مفر منها.
لا وجود للتكتيكات. هناك فقط قرارات اللاعبين. التكتيك هو الكلمة التي يستخدمها الناس للتأثير على هذه القرارات.

…ركّز على عيون اللاعبين، ورؤوسهم، وأرجلهم، وعلّمهم اللعبة، لا أسلوبك أو لغتك المفضلة.

-رينيه ماريتش.

نؤكد دائما على أن اللعبة للاعبين، ودور المدرب استكشاف قدراتهم ووضعهم بما يتناسب وإمكاناتهم، مطلع العالم أكدت أن نابولي بقيادة كونتي حتمًا سيفشل ما دام يضع أجنحته لتوسيع الملعب تارة، واللعب برباعي خط وسط تارة أخرى، النتيجة بطأ باللعب، تنوع ميت، وفريق متوقع، لا يكاد يصنع فرصًا، وغير قادر على فرض إيقاع لعب مختلف كل المباريات.

                     بقلم Zaid Chkiri



 


الأربعاء، 3 يونيو 2026

ماذا يحلّ بالمَلل في عصر الشاشات ؟ | culture | مجلة  (QUESTION DE PHILO)

ماذا يحلّ بالمَلل في عصر الشاشات؟ | culture

مجلة  (QUESTION DE PHILO)


  هذا هو الرهان برمته : قياس ما يُمحى عندما يختفي الفراغ . من الآن فصاعدًا، تُملأ كل لحظة فراغ على الفور، وتتضاءل فرص ترك التوتر يهدأ أو أخذ مسافة. هذه اللحظات التي كان العقل ينتقل فيها بحرية من فكرة إلى أخرى أصبحت أكثر ندرة. و مع ذلك ، فإن هذا التجوال الذهني ليس غير مجدٍ : فهو يغذي ترابط الأفكار، والحدس، والابتكارات. فكل الأفكار لا تولد من الجهد ولا من التركيز؛ فبعضها يظهر تحديدًا في الأوقات الخالية، عندما يكف العقل للحظة عن كونه مشدودًا نحو هدف محدد. و من خلال إشباع هذه المساحات بهذه الطريقة ، فإننا نفسح مجالًا أقل للنضج البطيء للأفكار. كما أننا نقلل من هذه اللحظات التي ، بسبب عدم تشتتنا ، نجد أنفسنا فيها وجهاً لوجه مع ذواتنا . في الواقع ، يجعل الملل أحيانًا عاطفةً تظهر، أو سؤالًا جوهريًا... فبإعفائنا من الانتظار، أو الصمت، أو الفراغ، تسلبنا الشاشة تلك المواجهة مع أنفسنا التي كانت تجعلها فترات الراحة العادية ممكنة. شيئًا فشيئًا، يصبح الخمول - الذي كان بديهيًا - تجربةً صعبة ، كما لو أن كل دقيقة يجب أن تُشغل ، بل وأن يتم استثمارها. و من ثم ، يترسخ انتباه لا يعرف الراحة ، تمليه إيقاعات الإشعارات. هذا التغيير لا يغير عاداتنا فحسب ، بل يحول تجربتنا للزمن. لم نعد نسعى إلى التعايش مع الوقت، بل إلى إشباعه، مخاطرين بضياع تجربة هي أثمن مما يبدو. لأن هذا الوقت الفراغ ، الذي لا يحتمله عصرنا ، قد غذّى مع ذلك تأملًا فلسفيًا أغنى بكثير مما نتخيل . من وجهة النظر هذه ، لا تفعل الشاشات سوى إطالة أمد إغراء قديم : ألا وهو الهروب من الصمت ومن عدم الراحة الداخلية
    
    مجلة (QUESTION DE PHILO) - العدد 39 | ماي جوان جويلية 2026
   ترجمة : س محمد مرتضى مدير المدونة


 

الأحد، 3 مايو 2026

الفينومينولوجيا

 الفلسفة الفينومينولوجية | رهان الوعي



●●يُعد رهان الفينومينولوجيا الهوسرلية - الذي عجزت الوضعية المنطقية وغالبية النقاد المعاصرين لهوسرل عن رصد كنهه - هو تبيين تمايز الوعي الفلسفي عن الوعي السيكولوجي؛ إذ إن الأول يروم القبض على الماهيات الثابتة للظواهر المتغيِّرة؛ يتحرك في أفق لا حسي، ترنسندنتالي، ما فوق نفسي، بينَمَا الثَّانِي يشتغل على السيرورات النفسية داخل دائرة البنية السيكولوجية.


الاثنين، 6 أبريل 2026

تغيير زاوية النظر .. و النظرة

 تغيير زاوية النظر .. و النظرة


    لطالما أحببت الجلوس في الزوايا الهادئة حيث تتسنى فرصة اتخاذ وضع المراقب، وضمان صمت الجماد القابع خلف جسدي. أعدّ الجلوس في وسط المقهى وسيلة تعذيب لوعيي الذي لطالما أحب الإشراف على البشر، ولو بشكل افتراضي. في المنتصف أشعر أنني جُرّدت من حياد الخلف، وانتُزع مني الضبط الهندسي لزوايا الرؤية التي تعينني على تأمل البشر والنظر في أحوالهم وجعلهم موضوعًا من موضوعات الوعي الباردة. إن ضبط زاوية الجلوس على نحوٍ يضمن حياد أحد الأبعاد لمن أهم العوامل الممهدة لتشكيل الأحكام النظرية الصارمة، فالنظرية تفترض سلفًا وجود وجهة نظر، أي ثبوتًا لموضع الناظر وما ينظر إليه برهة من الزمان. على النقيض، يفضي الجلوس في المنتصف إلى انخراط قسري في الحدث، وتغير دائم في المنظور، وغير ذلك من المشتتات التي يصعب حصرها في هذا الموضع. هب أنك تجلس في إحدى زوايا المقهى ووقع فجأة حدث كسقوط النادل وتحطم ما يحمل من الأطباق والأكواب، أسيكون الأثر حينئذٍ نفسه من منظور الجالس في الزاوية والجالس في المنتصف؟ هذا الأخير، بحكم موقعه، أسرع استباقًا للحدث، فإن كان نظره بعيدًا، أو تائهًا أو مشتتًا، وأراد أن يدرك الحدث، يوقن حتمًا أنه لن ينظر خلفه، إذ حيّد موضعه جزءًا من أبعاد المكان، فأضحى قادرًا على تحديد موقع الحدث. أما الجالس في المنتصف فمجرّد من هذا الحياد، فإن لم تصب حواسه في أول الأمر يتعين عليه أن يعالج أبعادًا وزوايا أكثر من ذاك القابع في الزاوية الذي اقتطع جزءًا من أبعاد المكان ورماها خلف ظهره غير آبه بها. وبالمثل يكون الجالس في الشرفة العالية أقدر على كشف الناس وتوقع مساراتهم من ذاك الجالس في منتصف الشارع، أو المنخرط في أحداثه. يؤول الاختيار الدقيق لزاوية الجلوس إلى حذف الزائد، وحصر الأمكنة، وتأهب الأحداث، واستباق مسارات البشر. بيد أن عموم البشر يميلون إلى اجتناب الزوايا، ويستعيضون عنها إما بالجلوس في المنتصف، أو الانخراط اللاواعي في الأحداث. أعوام مديدة من الجلوس في الزاوية أكسبتني قدرة عجيبة على تمرين عقلي على التحليل البارد والاستباق والتأهب والحصر، فصرت واحدًا من أولئك الباردين الجفاة الذين يشيئون البشر، ويصيرون عقولهم أرشيفًا متراكم الأطباق، تودع فيه الخواطر إيداع الكتب في الخزائن. هذه التمارين الذهنية، التي لا يلبث العقل أن يألفها حتى يدمنها، تغدو مع كرّ الأيام وطول المران نمط إدراك مستحكم، يصوغ الناس على قوالبه، ويسوقهم إلى مقاديره ، حتى لكأنهم قيام بين يدي بيروقراطية صماء ما أنشئت إلا لتجعل من كل إنسان ملفًا. إن الجلوس في الزاوية لهو صورة من صور السيادة التي يحاكي بها الإنسان رسوخ المؤسسات العظيمة، ويمثل من خلاله ثبات أركانها، إذ يغدو الركن المألوف رمز سلطان مشحون بمعاني الحدود، ومعنيّ بتدابير الاستراتيجيات، ومتطلع إلى آفاق التوسع، كأنما هو عرش ملك صغير تدار منه مملكة الذات.

    بقلم : Out of Season


السبت، 21 مارس 2026

سباق الكتابة

 سباق الكتابة

بقلم
جيمس هيبارد
ترجمة
حيدرة أسعد


    تدريجيًا ، أدركتُ أنه على عكس سباقات السيارات، فإن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو التمهل، وتقبّل كل يوم كما تتطور فيه الأحداث (أو لا تتطور)، والتخلي، بأبسط الطرق، عن الضغوط التجارية والطموح الشخصي، والعودة مرارًا وتكرارًا إلى الشيء الوحيد الذي يهم حقًا في نهاية المطاف، ألا وهو الكتابة.

ليست هذه نصيحة مثالية، لكنني أظنها صحيحة، وآمل أن تكون نقيضًا لثقافة السعي المحموم والإنتاجية التي تسعى إلى استنزاف الموارد بلا حدود. قد يبدو عيش هذا النمط ترفًا، وهو أمر أسعى جاهدًا لتحقيقه يوميًا، وأنا أحاول استجماع الثقة الهادئة التي تسمح ليس فقط للسرد والشخصيات بالتطور في وقتها وبأسلوبها الخاص، بل أيضًا للسماح لمسيرتي الكتابية بالنمو وفقًا لشروطها الخاصة؛ ليقرأها الوكلاء والمحررون ويتأملوا فيها، ولتنمية قاعدة قرائي ومهارتي وأسلوبي تدريجيًا، بطريقة تثبطها ثقافتنا التي تُعلي من شأن الاستقلالية والسرعة وفرض الإرادة.

الاثنين، 2 فبراير 2026

الفيلسوف جيلبرت سيموندون | كتابه : " حول طريقة وجود الأشياء التقنية " ، 1958

الفيلسوف جيلبرت سيموندون | كتابه : " حول طريقة وجود الأشياء التقنية "  ، 1958 


    ●● [و أنه ليس آلة، تمامًا كما أن التمثال ليس كائنًا حيًا، بل هو مجرد نتاج للخيال والتلفيق، وفن الوهم. مع ذلك، فإن مفهوم الآلة كما هو سائد في الثقافة اليوم، يتضمن إلى حد كبير هذا التصور الأسطوري للروبوت. فالرجل المتعلم لا يجرؤ أبدًا على وصف الأشياء أو الأشكال المرسومة على لوحة بأنها حقائق حقيقية، ذات دواخل، ونوايا حسنة أو سيئة. ومع ذلك، يتحدث هذا الرجل نفسه عن الآلات باعتبارها تهديدًا للإنسان، وكأنه ينسب إليها روحًا ووجودًا مستقلًا، ويمنحها القدرة على الشعور والنية تجاه الإنسان.]  اهـ


   – جيلبرت سيموندون | كتابه : " حول طريقة وجود الأشياء التقنية "  ، (ص11) ، 1958.



الاثنين، 26 يناير 2026

نظرية الرجل الثالث ... فلسفة كرة القدم

    نظرية الرجل الثالث ... فلسفة كرة القدم


        التنظيم الموجود في الصورة هو ما يعرف بـ هيكل "الساعة الرملية".. و هو فكرة شائعة يعتمدها المدربين الذين يؤمنون بـ اللعب التموضعي كـ أسلوب.. التمركز في المساحة.. و تقسيم الملعب إلى أجزاء.. كل جزء فيه يتمركز داخله لاعب معين.. و يكون مسؤول على شَغله..


هذا الهيكل الغرض الأساسي منه هو البناء و الخروج بـ الكرة عبر محطات.. يساعد في شكله على توفير خيارات تمرير مختلفة لـ حامل الكرة.. يساهم في مقاومة ضغط الخصم.. و يعمل على خلق مثلثات.. تساعد على تطبيق نظرية الرجل الثالث.. كما أنها تسمح لـ الفريق بـ أن يكون عمودي.. و منتج في عمق الملعب..


"أوناي إيمري" واحد من أكثر المدربين الذين يعتمدون في مرحلة بناء اللعب على هذا الهيكل.. و أكيد جميعنا نعرف جودة هذا المدرب.. و كيف أن واحدة من أكثر نقاط قوته هي مرحلة الخروج بـ الكرة من تحت ضغط الخصوم..*

        * الأستاذ عبد الرؤوف