‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلة العلوم الإنسانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلة العلوم الإنسانية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

مجلة العلوم الإنسانية | تفسير الحياة بالمسطرة

  مجلة العلوم الإنسانية | تفسير الحياة بالمسطرة 



  ⧉ "القيمة" بطبيعتها تأبى الاختزال، ولا تُرد إلى معايير باردة كما تُرد الكفاءة. فإذا أردنا دراسة حي يسكنه أناس من مشارب دينية وقيمية متباينة، فإن المعايير الإحصائية الشائعة – كالأمية والدخل ومستوى التعليم – لن تسعفنا كثيرًا ، لأنها لا تقيس إلا ما تظنه مهمًا، ولا تفهم إلا ما قُدر لها أن تفهمه، فتسقط في الدوائر المفرغة من المعرفة الحقة.


وهل يستطيع أحد أن يضع قانونًا يضمن لرجل أن يجلس مع ولده ليعلمه الحكمة؟ قد يقال: المسألة رهن بالوقت المتاح، ولكن هل الحكمة تُلقن كدروس المدرسة؟ قد تخرج من فم الوالد في نزهة عابرة، جملة واحدة تخلد في نفس ابنه أثرًا لا تفعله ساعات تعليم متراكمة.

إن التأثيرات التي تُنقش في أعماق النفس ليست طبخة يمكن إعدادها وفق وصفة دقيقة. وإلا لكان في الوسع أن نحب من نشاء، أو نكتب أدبًا عظيمًا إذا توفرت لنا شروطه الاقتصادية، أو ننتج قادة سياسيين كما تُنتج المصانع أدواتها.

لقد سُلبنا عفوية الحياة، حين سُلّطت علينا آلتان اثنتان: آلة التحكم في مسارات الحياة عبر التقنية، وآلة التضليل التي تقنعنا أن هذه الحياة التي نحياها اليوم هي كل الحياة، وأن لا وجود لما هو خارج نطاق ما تسيطر عليه الآلة. وتنجح هذه الرؤية – على ما فيها من فقر للمعنى – في تبرير الواقع، لأنها تستبعد كل ما هو عصي على التفسير، وتنفي كل ما يعكر صفو التبسيط المريح؛ فهي لا ترى الحياة إلا حين تُفرغ من تناقضها الثري، ولا تفهم الإنسان إلا بعد أن يُجرّد من كل ما يختص به من تاريخ وأفكار وشغف وتقلبات. النجاح ليس ثمرة الكفاءة وحدها، بل هو بلوغ غاية فيها من المادي والمعنوي ما لا يُحاط به بمعيار واحد. أما الكفاءة فليست سوى قدرة على تحقيق هدف محدد، لكنها لا تضمن سموًا و لا قيمة. 
         THE CLOUDS 

الثلاثاء، 25 فبراير 2025

نَظَرات إلى المادة* | لقاء مع برنار ديسبانيا

نَظَرات إلى المادة* | لقاء مع برنار ديسبانيا


سؤال: ما الذي أتى بك إلى الفيزياء؟

جواب: منذ سني مراهقتي اهتممتُ بالمسائل الفيزيائية، إذ أردت أن أفهم العالم. ولم يكن يكفيني لذلك أن أدرس ما قاله الأقدمون حول هذا الموضوع. لهذا، بعد دراستي لكلا الرياضيات والفلسفة، توجَّهتُ نحو الفيزياء. وبعد تخرُّجي من مدرسة البوليتكنيك، ذهبت إلى شيكاغو للتتلمُذ على فيرمي، ثم إلى كوبنهاغن للدراسة مع بوهر. ثم أصبحت أول فيزيائي نظري موظَّف في المركز الأوروبي للأبحاث النووية في جنيف، وذلك سنة 1954.

س: هل أتتْ نظرتُك إلى العالم نتيجةً لأبحاثك؟

ج: ليس تمامًا. فمثلي كمثل غيري، كانت عندي نظرة انطلقتُ منها. إلا أنني حرصت على وضعها على مِحكِّ المعطيات الموضوعية. ولم تكن هذه النظرة آلتية الطابع؛ إلا أنني لو اكتشفت أن الآلتية نظرة صحيحة إلى الأشياء، لكنت تخلَّيت تمامًا عن نظرتي الأولى. فكوني علميَّ المشرب، إذا أتى تطورُ المعارف ليُكذِّب تصوراتي، أجدني على استعداد للتخلِّي عنها. إلا أن ما حصل كان العكس. صحيح أن أبحاثي قد ساهمت في تطور النظرة التي نحن بصددها، إلا أنها أتت بشكل أساسي لتعزِّزها عِبر المقاربة الحدسية، نوعًا ما، إلى الأشياء التي انتهجتُها منذ البداية.

س: أنت من جيل ساهم قي تطور مهم في هذا الاتجاه...

ج: صحيح. في ذلك الوقت كان الضغط في صالح الآلتية أكبر مما هو عليه اليوم، وخاصة في الأوساط العلمية؛ أو أن هذا الضغط، بالأصح، لم يكن يقابلُه ضغطٌ في الاتجاه المعاكس لإحلال تَوازُنٍ ما، كما هو الأمر عليه اليوم.

س: ما هو، برأيك، الاكتشاف الأهم بين الاكتشافات التي ساهمت في تعزيز هذه النظرة غير الآلتية إلى العالم؟

ج: شاهدت مؤخرًا برنامجًا تلفزيونيًّا قدَّم لنا الذرة على هيئة نواة من كريَّات صغيرة حمراء وسوداء (النوترونات والبروتونات) تدور حولها الإلكترونات. قُدِّمَت لنا صورةٌ جميلة وسهلة الفهم، ولكنها خاطئة كليًّا! وهنا تأتي الفيزياء الكوانتية لتقول لنا إن المُرَكِّبات الأساسية للأشياء لم تعد أشياء؛ فنحن نشهد نَزْعًا للطابع "الشيئي" عن المادة.


 ترجمة: موسى الحوشي



* كتاب نظرات إلى المادة Regards sur la Matière (كُتِبَ بالتعاون مع إيتيين كلاين)، دار فايار للنشر، 1993.

· المدير الأسبق لمختبر الفيزياء النظرية والقُسَيْمات الأولية في جامعة أورسيه؛ وقد علَّم فلسفة العلوم في جامعة السوربون، كما كان أول مُنظِّر وُظِّف في المركز الأوروبي للأبحاث النووية في جنيف. (المحرِّر)