الاثنين، 14 فبراير 2022

فلم «Dune»: هل ينتصر العقل البشري في المستقبل بعد أن هزمته التكنولوجيا؟

 فلم «Dune»: هل ينتصر العقل البشري في المستقبل بعد أن هزمته التكنولوجيا؟

بقلم / آية طنطاوي


يعيدنا فيلم  Dune (كثيب) -أحدث أفلام المخرج ديني فيلنوف والمقتبس من سلسلة روايات «كثيب»، للكاتب الأمريكي فرانك هربرت- إلى التفكير من جديد في مفهوم «الاقتباس السينمائي»، وهو ما يطرح أمامنا سؤالاً جليًا: هل الفيلم يقدم معالجة درامية مختلفة عن الرواية، أم أنه يتكامل معها؟ نحن أمام رواية من أهم روايات الخيال العلمي الصادرة في النصف الثاني من القرن العشرين، إنها تجربة خيالية كاملة يغزل فيها فرانك هربرت خيوط خياله ويكتب تصوراته لشكل البشرية بعد ما يقرب من 20 ألف سنة، حيث يبدأ سرد الرواية والفيلم بعد أن نشبت ثورة كبرى بين البشر والآلات أرادت فيها الأخيرة السيطرة على البشرية، فتمرد البشر وقرروا هجر التكنولوجيا والآلات التي تسحق العقول واتجهوا إلى كواكب بعيدة ليعيشوا عليها ويبدأوا ثقافة وحياة جديدة، وخلقت نمط حياة متأثرًا بالثقافات القديمة ودياناتها المقدسة، بل إنها تسيرها النبوءات كما العصور الوسطى. وعلى كوكب أراكس تبدأ الرواية الكشف عن الصراعات السلطوية ورحلة البطل في آن.

من النص إلى الشاشة

أمام كل عمل سينمائي جديد مقتبس عن نصّ أدبي، تعود أسئلة الاقتباس لتتجلى أمامنا، ما الذي يعنيه الاقتباس تحديدًا؟ وما هي حدوده؟ في كتابها «النص والصورة: السينما والأدب في ملتقى الطرق»، تفرد د. سلمى مبارك البساط وتفكك مفهوم الاقتباس، وسأقف الآن، عند جملة وردت بين سطور الكتاب تقول: «الاقتباس الحُرّ المبدع الذي يستلهم من الأصل الأدبي رؤى خاصة يصوغها السينمائي من جديد في فيلمه». وهذا يعيدنا إلى ما يمكن اعتباره الفضاء الثالث الذي يقع فيه النصّ والصورة معًا، حيث الصورة تستلهم من الكلمة وتتشكل وفق رؤى إبداعية للفنان صانع الفيلم امتثالاً لأدواته السينمائية. فإذا وصف الأديب فرانك هربرت نور شمس كوكب أراكس بأنه «الأبيض الحليبي، يصبغ المشهد بصبغةٍ فضية»، فإن المخرج ديني فيلنوف، سيفكر كيف يوظف أدواته ومصادر الضوء وتصحيح الألوان ليعكس لنا سماء أراكس المصبوغة بهذا الأبيض الفضي؛ بالأحرى سيجيب بصريًا على تساؤل كيف يمزج بين مخيلته البصرية والوصف الأدبي لكوكب أراكس.

قبل الدخول والتعمق في نسخة ديني فيلنوف السينمائية، علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً، حيث نسخة المخرج ديفيد لينش من فيلم Dune -إنتاج 1984- ورغم أنها لم تلقَ النجاح المتوقع منها إلا أنها تضعنا أمام طبيعة الاختيارات الفنية للمخرج الذي اعتمد على التصوير داخل استوديوهات، ليقدم نسخة معلبة من عالم «كثيب»، الذي رسمه هربرت. وإن كنا الآن، في حِل من المقارنة بين الفيلمين، إلا أن هذه اللمحة تعيدنا أمام اختيارات المخرج في إعادة بناء عالمه السينمائي الذي سينتمي له «كثيب»، بصريًا ودراميًا. والأهم هو النقطة التي يرتكز عليها المخرج قبل البدء في مشروع الاقتباس، وهذه النقطة حتمًا تبدأ بسؤال هام: لماذا كثيب؟ وما الذي يريد أن يقوله هذا العمل الملحمي؟

في نبوءته الأدبية لمصير البشرية بعد آلاف السنين، ينحي فرانك هربرت التطورات التكنولوجية جانبًا؛ فقد قرر البشر أن الآلات ألغت عقولهم، فاستبدلوها. تقول الأم الموقرة في الرواية: «قديمًا ترك الناس مهمة التفكير للآلات، على أمل أن يحرِّر ذلك البشرية، لكن هذا سمح لأناس آخرين يملكون الآلات باستعبادهم»، ويرد عليها البطل بول قائلاً: «لا تصنعوا آلات، تحاكي العقل البشري». يقف هربرت على مسافة من الحاضر ويحاكمه بلسان المستقبل البعيد، يستشرف ما تفعله الآلة بالعقل البشري ويعيده إلى معادلة حساسة وشائكة كأنه اخترع سلاحًا ليدافع به عن نفسه فقتله ذلك السلاح بحركة مباغتة. وهو ما يفسر شكل المستقبل الذي يتخيله هربرت، يفتقر لحضور الذكاء الاصطناعي -بعكس أغلب كتابات الخيال العلمي- ولا يضعنا أمام كائنات فضائية خرافية وحروب فضائية، بل يقترب أكثر من البشر، الصراعات البشرية تغذيها نزعة البقاء على قيد الحياة، إنه مستقبل بوجه واحد حيث البشرية في صراع محتد مع نفسها، صراع البقاء ممتد ولا يتغير بتغير الزمن. والصراع هنا على كوكب غني بالثروة «كوكب أراكس»، الذي انتزعت سلطته من آل هاركونن، وأعطيت للدوق ليتو بعد أن اكتشف فساد الهراكنة في استغلالهم لثروات أراكس ونهبها. إنه استغلال ينطوي على رغبة في السيطرة والتملك، ومن هنا تلتفت الأنظار إلى الخلاص من زاوية أخرى، انتظار ظهور المخلص، أو المختار الذي سينجي البشرية من هلاكها في صراع السلطات الكبير على كوكب أراكس.

ولأن الإنسان يتوق دائمًا إلى التفكير في طرق الخلاص والبقاء، يمكننا النظر إلى «كثيب»، بأنها مادة درامية ثرية تصلح للاقتباس في كل الأزمان، ورواية ترسم عالمها على مهلِ وتورطنا أكثر في خيالات مؤلفها المثيرة للتأمل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق