مجلة العلوم الإنسانية | تفسير الحياة بالمسطرة
⧉ "القيمة" بطبيعتها تأبى الاختزال، ولا تُرد إلى معايير باردة كما تُرد الكفاءة. فإذا أردنا دراسة حي يسكنه أناس من مشارب دينية وقيمية متباينة، فإن المعايير الإحصائية الشائعة – كالأمية والدخل ومستوى التعليم – لن تسعفنا كثيرًا ، لأنها لا تقيس إلا ما تظنه مهمًا، ولا تفهم إلا ما قُدر لها أن تفهمه، فتسقط في الدوائر المفرغة من المعرفة الحقة.
وهل يستطيع أحد أن يضع قانونًا يضمن لرجل أن يجلس مع ولده ليعلمه الحكمة؟ قد يقال: المسألة رهن بالوقت المتاح، ولكن هل الحكمة تُلقن كدروس المدرسة؟ قد تخرج من فم الوالد في نزهة عابرة، جملة واحدة تخلد في نفس ابنه أثرًا لا تفعله ساعات تعليم متراكمة.
إن التأثيرات التي تُنقش في أعماق النفس ليست طبخة يمكن إعدادها وفق وصفة دقيقة. وإلا لكان في الوسع أن نحب من نشاء، أو نكتب أدبًا عظيمًا إذا توفرت لنا شروطه الاقتصادية، أو ننتج قادة سياسيين كما تُنتج المصانع أدواتها.
لقد سُلبنا عفوية الحياة، حين سُلّطت علينا آلتان اثنتان: آلة التحكم في مسارات الحياة عبر التقنية، وآلة التضليل التي تقنعنا أن هذه الحياة التي نحياها اليوم هي كل الحياة، وأن لا وجود لما هو خارج نطاق ما تسيطر عليه الآلة. وتنجح هذه الرؤية – على ما فيها من فقر للمعنى – في تبرير الواقع، لأنها تستبعد كل ما هو عصي على التفسير، وتنفي كل ما يعكر صفو التبسيط المريح؛ فهي لا ترى الحياة إلا حين تُفرغ من تناقضها الثري، ولا تفهم الإنسان إلا بعد أن يُجرّد من كل ما يختص به من تاريخ وأفكار وشغف وتقلبات. النجاح ليس ثمرة الكفاءة وحدها، بل هو بلوغ غاية فيها من المادي والمعنوي ما لا يُحاط به بمعيار واحد. أما الكفاءة فليست سوى قدرة على تحقيق هدف محدد، لكنها لا تضمن سموًا و لا قيمة.
THE CLOUDS

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق