تغيير زاوية النظر .. و النظرة
لطالما أحببت الجلوس في الزوايا الهادئة حيث تتسنى فرصة اتخاذ وضع المراقب، وضمان صمت الجماد القابع خلف جسدي. أعدّ الجلوس في وسط المقهى وسيلة تعذيب لوعيي الذي لطالما أحب الإشراف على البشر، ولو بشكل افتراضي. في المنتصف أشعر أنني جُرّدت من حياد الخلف، وانتُزع مني الضبط الهندسي لزوايا الرؤية التي تعينني على تأمل البشر والنظر في أحوالهم وجعلهم موضوعًا من موضوعات الوعي الباردة. إن ضبط زاوية الجلوس على نحوٍ يضمن حياد أحد الأبعاد لمن أهم العوامل الممهدة لتشكيل الأحكام النظرية الصارمة، فالنظرية تفترض سلفًا وجود وجهة نظر، أي ثبوتًا لموضع الناظر وما ينظر إليه برهة من الزمان. على النقيض، يفضي الجلوس في المنتصف إلى انخراط قسري في الحدث، وتغير دائم في المنظور، وغير ذلك من المشتتات التي يصعب حصرها في هذا الموضع. هب أنك تجلس في إحدى زوايا المقهى ووقع فجأة حدث كسقوط النادل وتحطم ما يحمل من الأطباق والأكواب، أسيكون الأثر حينئذٍ نفسه من منظور الجالس في الزاوية والجالس في المنتصف؟ هذا الأخير، بحكم موقعه، أسرع استباقًا للحدث، فإن كان نظره بعيدًا، أو تائهًا أو مشتتًا، وأراد أن يدرك الحدث، يوقن حتمًا أنه لن ينظر خلفه، إذ حيّد موضعه جزءًا من أبعاد المكان، فأضحى قادرًا على تحديد موقع الحدث. أما الجالس في المنتصف فمجرّد من هذا الحياد، فإن لم تصب حواسه في أول الأمر يتعين عليه أن يعالج أبعادًا وزوايا أكثر من ذاك القابع في الزاوية الذي اقتطع جزءًا من أبعاد المكان ورماها خلف ظهره غير آبه بها. وبالمثل يكون الجالس في الشرفة العالية أقدر على كشف الناس وتوقع مساراتهم من ذاك الجالس في منتصف الشارع، أو المنخرط في أحداثه. يؤول الاختيار الدقيق لزاوية الجلوس إلى حذف الزائد، وحصر الأمكنة، وتأهب الأحداث، واستباق مسارات البشر. بيد أن عموم البشر يميلون إلى اجتناب الزوايا، ويستعيضون عنها إما بالجلوس في المنتصف، أو الانخراط اللاواعي في الأحداث. أعوام مديدة من الجلوس في الزاوية أكسبتني قدرة عجيبة على تمرين عقلي على التحليل البارد والاستباق والتأهب والحصر، فصرت واحدًا من أولئك الباردين الجفاة الذين يشيئون البشر، ويصيرون عقولهم أرشيفًا متراكم الأطباق، تودع فيه الخواطر إيداع الكتب في الخزائن. هذه التمارين الذهنية، التي لا يلبث العقل أن يألفها حتى يدمنها، تغدو مع كرّ الأيام وطول المران نمط إدراك مستحكم، يصوغ الناس على قوالبه، ويسوقهم إلى مقاديره ، حتى لكأنهم قيام بين يدي بيروقراطية صماء ما أنشئت إلا لتجعل من كل إنسان ملفًا. إن الجلوس في الزاوية لهو صورة من صور السيادة التي يحاكي بها الإنسان رسوخ المؤسسات العظيمة، ويمثل من خلاله ثبات أركانها، إذ يغدو الركن المألوف رمز سلطان مشحون بمعاني الحدود، ومعنيّ بتدابير الاستراتيجيات، ومتطلع إلى آفاق التوسع، كأنما هو عرش ملك صغير تدار منه مملكة الذات.
بقلم : Out of Season

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق