خوارزمية الإنتباه
تشهد البشرية المعاصرة حالة من الأمية الجديدة نتيجة عوامل متعددة، أهمها كثرة انتشار المحتوى المرئي والمسموع على حساب المحتوى المكتوب. أخذ الأمر يمتد تدريجيًا منذ مطلع القرن الماضي إلى أن بلغ أوجه في منتصف القرن، إلى أن غدا هو النمط المألوف للتواصل البشري بحلول الألفية الجديدة. إذا أخذنا عالم الإنترنت كمثال لبيان ذلك ــ هو مثال ينطبق عليه تطور زمني مختلف، لكنه، رغم ذلك، يحقق الفكرة المرجوة ــ سنرى كيف أن هذا العالم الرقمي كان قائمًا على المحتوى المكتوب لفترة دامت عقدين كاملين، وقبل صعود منصات كتويتر وفيسبوك وإنستجرام ونحو ذلك من المنصات المحكومة بخوارزميات تفضيلية تتحكم في المحتوى المعروض، كان المرء يفتح حاسوبه ليذهب إلى هذه المنصة أو تلك، ولم تكن عوالم الإنترنت مترابطة كما هي اليوم، بل كانت أشبه بجُزُر صغيرة، تسكنها مجتمعات متباينة، بناءً على التفضيلات والاهتمامات، وعليه، لم يكن هناك مجال للتشتت وفقدان التركيز والتيه المعرفي كما هو اليوم. كانت طريقة التواصل المعهودة إبان هذه الحقبة هي الكتابة، وما يفرق هذا النمط عما سواه أن الذات لا تكون طرفًا خاملًا يمكنه تلقي المحتوى دون بذل جهد ذهني في إعادة بناء النص الذي يقرأ وفق قدراته المعرفية وخلفيته الثقافية ونحو ذلك. هذا على النقيض من المحتوى المسموع والمرئي الذي لا يتطلب القدر نفسه من الجهد الذهني. علاوة على ذلك، تعلم القراءة المرء مهارة التخطيط الذهني (mind mapping) التي تجعل فعل القراءة ليس مجرد وسيلة لفهم مراد القارئ، بل وسيلة لتطوير مهارات الإدراك وتوسيع ملكة الخيال وإثراء العالم الداخلي وغير ذلك من صقل القدرات العقلية. أما المحتويات المرئية والمسموعة فلا تشترط بالضرورة ذلك. وليس المراد هنا القول إن المحتوى المرئي والمسموع منحط المنزلة جملةً وتفصيلًا، فلا ينبغي أن ننسى أن طرق التعلم القديمة كانت تقوم أساسًا على التعلم الشفهي والتواصل المباشر مع المعلم. لكن إذا أخذنا في الحسبان توسط الوسائل التكنولوجية والمسافة التي تخلقها بين السامع والمتلقي، نخلص إلى أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال اعتبار المسموع والمرئي المعاصر كالمسموع والمرئي في الأزمنة القديمة. علاوة على ذلك، في يومنا هذا، أدخلت فنون الجرافيك والمونتاج ومشتقاتهما قدرة على التلاعب بالمحتوى والتحكم في الإيقاع واستغلال المؤثرات بشكل يتلاعب بالقدرات الإدراكية والحسية للمتلقي، فيزداد انتباهه بصوت ما، ويثار فضوله بمقطع موسيقي قصير، ويُرغم على إكمال المقطع بفعل مؤثرات بصرية تستغل الأنماط الذهنية لتعزيز المحتوى. فليس الأمر اليوم أنك تستمع إلى محاضرة ألقاها مفكر في الخمسينيات أو الستينيات، بل محتوى مفصل أساسًا ليصادف المشاهد في ساعة عشوائية، فيرغمه على المشاهدة ومن ثم المتابعة. أي إنه محتوى مصمم أساسًا لجذب انتباه قرد شارد، لا طالب علم أو صاحب قضية أو نحو ذلك. هذا فيما يتعلق بالمقاطع القصيرة التي تتعرض للموضوعات العلمية والفكرية والفنية، فما بالك بريلز المشاهير ورواد السوشيال ميديا ووقعها على القدرات الإدراكية لمعظم أفراد البشرية المعاصرة!
بقلم : Out of Season
