زيت الزيتون و إرث لا ينتهي
حسين بوبيدي
في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، ونحن تلاميذ في متوسطة الشهيد بوتسطة محمود بالشقفة ( الجزائر ) ، كانت الطاحونة تعني لنا أكثر من مجرد مكان لطحن الزيتون، كانت ملاذا صغيرا في عالم ضيق، فيه البرد يقضم الأطراف، والجوع يطل كل ظهيرة ، والجيوب لا تحمل سوى بضع دنانير متعبة، كنا نحسبها كل صباح كما يحصي الصغار أحلامهم: سبعة دنانير بالتمام: ديناران للذهاب، ديناران للعودة، وثلاثة دنانير للغذاء. غذاء لا يسد الرمق، لكنه كان كل ما نملك.
حين يحلّ موسم الزيتون، يتبدل وجه الأيام؛ الهواء نفسه يتغير، يصبح أكثر دفئا، أكثر امتلاء برائحة الزيت الجديد، تلك الرائحة التي لا تشبه شيئا آخر. في ذلك الموسم، تتحول الطاحونة إلى مكان أشبه بقاعة الاحتفال، المداشر الصغيرة ترسل أبناءها إلى المتوسطة، وهذه الأخيرة لا تستطيع إطعام الجميع، فتتجه القلوب الصغيرة نحو الطاحونة مطمئنة إلى بركتها، تلاميذ من كل الجهات، يحملون الخبز الحامي في أيديهم والبراءة في وجوههم، يأتون إلى الطاحونة وكأنهم يزورون بيتا يعرفهم.
صاحب الطاحونة، رجل بسيط بوجه سمرته النار ورائحة الزيت، لم يرد أحدا يوما، حين يرانا، يضحك من بعيد ويقول بصوته الأليف: "أياو يا لولاد، ما تحشموش يا لولاد، حطّ الزيت في الخبز وكول". كانت جملته تلك مفتاحا للحبور، نفتح الخبز، نغمره بالزيت الجديد الذي نسميه "بوجديد"، فتفوح منه رائحة ترسخ في الذاكرة إلى اليوم، ويأتي الأكثر "حياء" -وكنت منهم- لينضموا لبقية الشلة عندما يتأكدون أن عمال الطاحونة جميعا سعداء بهذا العطاء العميم، كنا نأكل ببطون فارغة وقلوب ممتلئة، نضحك ونشعر أننا نعيش أجمل ما يمكن أن يعاش.
كان الزيت ينقذنا، لا من الجوع وحده، بل من الإحساس بالعجز عن ضمان وجبة كاملة، كان يجعلنا نحس أن في هذا العالم ما يزال شيء يخصنا، شيء نحبه ولا يشترى. كنا نأكل ببطء كمن يريد للحظة أن تمتد، ونتذوق كل لقمة كأنها آخر ما في الدنيا من طيب، "آمالي كيفاش بنين". بعد الوجبة، نعود إلى المدرسة بخطوات خفيفة ونفوس راضية، وقد امتلأت بطوننا بالزيت وقلوبنا بالسكينة.
في بيوتنا، كان الزيت له طقوسه الخاصة، يوم كيله كان يوما مشهودا. أمي، وهي تملأ الأواني، كانت تهمس: "بسم الله، بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام عليك يا رسول الله"، لا شيء يسمع سواها. لم تكن تقولها لتبارك الزيت فقط، بل لتبارك ما تبقى من الحياة. كانت جدتي قبلها تضعه في الجرار الفخارية بعناية، وكأنها تحفظ فيه عمرنا كله، وفي عهد أمي حلت "البتية دي الزيت" بديلا عن "الزير دي الزيت أو آيوبي".
في قريتنا، لا يرد من يطلب الزيت، لم يكن ذلك صدقة، بل عادة متجذرة، نوع من العدل الريفي الذي لا يقرره قانون، وكان هناك رجل يظهر كل شتاء. لا أحد يعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب، نحس به قبل أن نراه، بصوته الذي يسبق خطاه: "البركة يا مالين الدار" (البركة يا أهل الدار)، وكنا نسرع عندما نسمعه: "يما يما أوجا دي كايلم الزيت" (أمي أمي لقد جاء الذي يجمع الزيت). إنه ينادي على كل بيت كأنه أحد أهله، لا يسأل عن اسمه ولا عن غايته. نعطيه لترا من الزيت دون تردد، وكأننا نردّ دينا قديما لا نعرف متى بدأ.
كنتُ طفلا أراقب المشهد ولا أفهمه. كيف لرجل غريب أن يأخذ من الجميع دون أن يسأل؟ لكنني كنت أرى في عيون الكبار شيئا من الرضا، شيئا يشبه الإيمان. كان ذلك الرجل يرمز لشيء أكبر من نفسه: للفقر الشريف، للعطاء الصامت، للزمن الذي كانت فيه النعمة تقاس بكرم اليد لا بحجم الحساب البنكي.
الآن، حين أتذكره، أسأل نفسي: لو عاد ذلك الرجل اليوم، هل سيأخذ لترا من كل بيت كما كان يفعل؟
أشكّ في ذلك. الزمن تغير، والقلوب تغيّرت معه. صار الزيت في البيوت يغلق عليه بإحكام، يقاس بالقطرات، لا بالنية.
أقول ذلك وأضحك، لأن زوجتي تضحك أيضا وهي تتخيل المشهد: الرجل يعود بعد ثلاثين عاما، يطرق الأبواب كما كان يفعل، والناس يعتذرون بأن الزيت غال، أو يقولون له بلطف مصطنع إنهم يشترونه هذه السنة من السوق، نضحك معا، لكنها ضحكة بطعم الحنين، فيها شيء من الحزن وشيء من الوفاء لذاك الزمن الذي كان الزيت فيه أكثر من طعام…
كان رمزا.
كان دفئا وكرامة وطفولة لا تتكرر.