ماذا يحلّ بالمَلل في عصر الشاشات؟ | culture
مجلة (QUESTION DE PHILO)
هذا هو الرهان برمته : قياس ما يُمحى عندما يختفي الفراغ . من الآن فصاعدًا، تُملأ كل لحظة فراغ على الفور، وتتضاءل فرص ترك التوتر يهدأ أو أخذ مسافة. هذه اللحظات التي كان العقل ينتقل فيها بحرية من فكرة إلى أخرى أصبحت أكثر ندرة. و مع ذلك ، فإن هذا التجوال الذهني ليس غير مجدٍ : فهو يغذي ترابط الأفكار، والحدس، والابتكارات. فكل الأفكار لا تولد من الجهد ولا من التركيز؛ فبعضها يظهر تحديدًا في الأوقات الخالية، عندما يكف العقل للحظة عن كونه مشدودًا نحو هدف محدد. و من خلال إشباع هذه المساحات بهذه الطريقة ، فإننا نفسح مجالًا أقل للنضج البطيء للأفكار. كما أننا نقلل من هذه اللحظات التي ، بسبب عدم تشتتنا ، نجد أنفسنا فيها وجهاً لوجه مع ذواتنا . في الواقع ، يجعل الملل أحيانًا عاطفةً تظهر، أو سؤالًا جوهريًا... فبإعفائنا من الانتظار، أو الصمت، أو الفراغ، تسلبنا الشاشة تلك المواجهة مع أنفسنا التي كانت تجعلها فترات الراحة العادية ممكنة. شيئًا فشيئًا، يصبح الخمول - الذي كان بديهيًا - تجربةً صعبة ، كما لو أن كل دقيقة يجب أن تُشغل ، بل وأن يتم استثمارها. و من ثم ، يترسخ انتباه لا يعرف الراحة ، تمليه إيقاعات الإشعارات. هذا التغيير لا يغير عاداتنا فحسب ، بل يحول تجربتنا للزمن. لم نعد نسعى إلى التعايش مع الوقت، بل إلى إشباعه، مخاطرين بضياع تجربة هي أثمن مما يبدو. لأن هذا الوقت الفراغ ، الذي لا يحتمله عصرنا ، قد غذّى مع ذلك تأملًا فلسفيًا أغنى بكثير مما نتخيل . من وجهة النظر هذه ، لا تفعل الشاشات سوى إطالة أمد إغراء قديم : ألا وهو الهروب من الصمت ومن عدم الراحة الداخلية.
مجلة | (QUESTION DE PHILO) - العدد 39 | ماي جوان جويلية 2026
ترجمة : س محمد مرتضى | مدير المدونة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق