التتابع الكوني .. الصيرورة و الزمن
مجلة فلسفة | 2007
الكون ليس مجرد أجسام موزعة في الفضاء؛ بل هو أيضاً تطور مستمر عبر الزمن، وصيرورة متواصلة. هذه البديهية البسيطة تتناقض مع النظريات العلمية في أوائل القرن العشرين، وتُفضي إلى ظهور الفكر البرجسوني.
عندما طلبت منه سيدة مجتمع تلخيص جوهر فلسفته، يُقال إن بيرجسون أجاب: "سيدتي، قلتُ إن الزمن حقيقي، وليس مكانًا". الزمن حقيقي: إنه ليس العدم. وهذا يعني أنه لا يُمكن اختزاله إلى تتابع محض. فهو يحمل في طياته شيئًا جوهريًا، شيئًا مُكوِّنًا. كيف لنا أن نفهمه؟ بتمييزه عن المكان، حيث يسعى عقلنا تلقائيًا إلى تحديد اتجاهه. يمر الزمن: هذه حقيقة بديهية لطالما تأمل فيها الفلاسفة.
نتخيل حينها الزمن كخط مرسوم (في المكان)، أو كشريط مُنبسط (لا يزال في المكان). نقارنه بنهر، أو بسهم. نندهش من أن الحاضر، الذي بالكاد يُعلن عنه، ينزلق بالفعل إلى الماضي، الذي لم يعد موجودًا. لكن بيرجسون يقصد شيئًا مختلفًا تمامًا. إنه يبحث عن السبب العميق لهذا التتابع الكوني. لا يستطيع أن يجعله شرطًا ذاتيًا لفهمنا للأشياء. إذا لم يكن كل شيء مُعطى، فذلك لأن الأشياء تحدث. بمعنى آخر، في ما يحدث، ينبثق شيء جديد حقًا، كما يتضح جليًا من تطور الكائنات الحية ونشاطها. ليس هناك مخزون من الاحتمالات التي تتحقق تباعًا عبر الزمن، بل "خلق مستمر لجديد غير متوقع"، أي حركة تحقق مستمرة تُنتج بدورها احتمالات جديدة. لا يمر الزمن فحسب، بل يدوم. لهذا السبب لا يمكن إعطاء أي شيء بشكل كامل. فالأشياء تستغرق وقتًا؛ تحدث وفقًا لإيقاعات متنوعة؛ تتباطأ وتتسارع؛ تتردد، كما يقول بيرجسون، والزمن هو هذا التردد نفسه. إذن، تكمن مشكلة الزمن في تجربة الجديد، أي في تعدد تحولات العالم. ومفهوم المدة هو الذي يربط بُعد الجديد ببعد الاستمرارية: "انتقال متواصل، وتعدد دون انقسام، وتتابع دون انفصال ". وهكذا، تُطيل الذاكرة الماضي إلى الحاضر، ماضٍ يُقال إنه لم يعد موجودًا. الحاضر "يُقوِّض المستقبل ويتضخم مع تقدمه ". لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال مفهوم المدة إلى "الزمن النفسي "، مع أنه من الصواب مقارنته بزمن العلم (المتجانس والرياضي). إنها شرط انبثاق الجديد، كما يتضح من الدافع الحيوي (انظر الصفحة 67) أو الفعل الحر. وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن المدة هي دائمًا مدة شيء ما: فليس هناك "مدة " واحدة، بل مدد كامنة في التحولات الفريدة.
مجلة فلسفة
2007